تحديد عدد الولايات… مدخل لتجديد النخب وإنهاء احتكار العمل السياسي

منذ 58 دقيقة
هشام اوجامع
هشام اوجامع

بعد أكثر من خمسة عشر عاما على دستور 2011، أصبح من حق المغاربة أن يتساءلوا: لماذا لا تزال القوانين الانتخابية عاجزة عن تجديد الحياة السياسية؟ ولماذا تقتصر التعديلات التي تسبق كل استحقاق انتخابي على تفاصيل تقنية، بينما يظل جوهر الأزمة بعيدا عن أي إصلاح حقيقي؟

لقد كرس دستور 2011 مبادئ متقدمة من قبيل ربط المسؤولية بالمحاسبة والتناوب الديمقراطي، بل إن الفصل 10 منه ضمن للمعارضة، ضمن حقوقها الدستورية، ممارسة السلطة عن طريق التداول الديمقراطي على المستوى المحلي والجهوي والوطني. غير أن هذا المبدأ يصطدم بقوانين انتخابية تسمح بإعادة انتخاب الأشخاص أنفسهم لعدد غير محدود من الولايات، تتحول معه المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات مغلقة، ويصبح معه تجديد النخب مجرد شعار يرفع في الخطابات.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين هو تكافؤ الفرص بين مرشح يخوض الانتخابات لأول مرة، وبين منتخب يترشح لولاية ثالثة أو رابعة أو خامسة، بعدما راكم سنوات من الحضور السياسي، وبنى شبكة واسعة من العلاقات، وأصبح بالنسبة لحزبه خزانا انتخابيا جاهزا؟ كيف يمكن الحديث عن منافسة نزيهة بينما ينطلق المتنافسون من مواقع مختلفة تماما؟

والأخطر من ذلك أن بعض الأحزاب السياسية أصبحت تبحث عن هذه الوجوه، ليس لأنها تحمل مشاريع إصلاحية جديدة، وإنما لأنها تضمن لها أكبر عدد من المقاعد. وهكذا تتحول الانتخابات من منافسة بين البرامج والأفكار إلى منافسة بين الخزانات الانتخابية، ويصبح الحفاظ على المقاعد أهم من تجديد النخب.

والغريب أن المشرع المغربي نفسه اقتنع منذ سنوات بضرورة التداول على المسؤولية داخل الأحزاب. فالمادة 21 من قانون الأحزاب السياسية ألزمت الأحزاب بتحديد مدة الانتدابات في أنظمتها الأساسية، وهو ما دفع أغلب الأحزاب التي تحترم نفسها إلى حصر مسؤولية الأمين العام مثلا في ولايتين، مع إمكانية الترشح من جديد بعد مرور ولاية كاملة، إيمانا بأن الديمقراطية الداخلية لا يمكن أن تقوم مع احتكار القيادة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، رغم كل الجدل الذي أثاره، كرس هدا التوجه التي يميز مهنة المحاماة وسار في الاتجاه نفسه، حيث نصت المادة 130 على أن ولاية نقيب هيئة المحامين تكون ولاية واحدة لمدة ثلاث سنوات، كما حددت عضوية مجلس الهيئة في ولايتين فقط، مع اشتراط مرور ولاية كاملة قبل الترشح من جديد، وحصر مجموع الولايات في أربع ولايات طوال المسار المهني.

بل إن الانتخابات المهنية للمحامين أصبحت اليوم يضرب بها المثل في النزاهة وتكافؤ الفرص، لأنها تقوم على مبدأ التداول الحقيقي، وتمنع احتكار المسؤولية، وتفتح الباب أمام ظهور كفاءات جديدة في كل استحقاق. فلم يعد بالإمكان أن يبقى الشخص نفسه على رأس المؤسسة لعقود، وهو ما منح هذه الانتخابات مصداقية وثقة داخل الجسم المهني. رغم ان مدة الولاية الانتخابية ثلاثة سنوات فقط عكس الولاية الانتخابية للبرلمان و الجماعات و الجهات المحدد في 5 سنوات .

فإذا كان المشرع يعتبر التداول على المسؤولية ضرورة داخل الأحزاب السياسية، وضرورة داخل الهيئات المهنية كهيئات المحامين، فلماذا تغاضى المشرع على تطبيق المنطق نفسه على البرلمان ومجالس الجهات والجماعات الترابية، وهي مؤسسات تمارس السلطة العمومية وتدبر شؤون المواطنين؟

إن هذا التناقض لا يجد أي مبرر. فإذا كان الأمين العام للحزب لا يجوز أن يستمر إلى ما لا نهاية، وإذا كان النقيب لا يحق له سوى ولاية واحدة، فكيف يعقل أن يظل نائب برلماني أو رئيس جماعة أو رئيس جهة يترشح لعشرين أو ثلاثين سنة دون أي قيد؟

لقد أفرز هذا الواقع ما أصبح يعرف بمحترفي الانتخابات و”ديناصورات” المشهد السياسي، وهي فئة تحولت بالنسبة لبعض الأحزاب إلى استثمار انتخابي مضمون، بغض النظر عن الحاجة إلى التجديد أو ضخ دماء جديدة. والنتيجة هي عزوف متزايد عن السياسة، وإحباط لدى الشباب، وإقصاء للكفاءات، وإعادة إنتاج المشهد نفسه في كل محطة انتخابية.

والحال أن أمهات المغاربة لسن عقيمات حتى يبقى مستقبل المؤسسات رهينا بالأسماء نفسها والوجوه ذاتها. فالمغرب يزخر بطاقات وكفاءات قادرة على تحمل المسؤولية إذا توفرت لها شروط المنافسة العادلة، لكن استمرار احتكار المناصب يغلق الأبواب أمامها، ويدفع الكثير منها إلى الابتعاد عن العمل السياسي و الشأن العام بل قد يدفعه هدا الاغلاق الخطير الى التفكير في الهجرة الى الخارج .
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير نمط الاقتراع أو إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، بل يبدأ بإقرار قاعدة ديمقراطية واضحة قوامها تحديد الولايات في ولايتين كحد أقصى بالنسبة لجميع المؤسسات المنتخبة، مع إمكانية الترشح من جديد بعد انقضاء ولاية كاملة، على غرار ما هو معمول به داخل الأحزاب السياسية، وما كرسه مشروع قانون مهنة المحاماة.

والأهم من ذلك، أن اعتماد مبدأ تحديد الولايات سيجعل الدولة في غنى عن كثير من الآليات الاستثنائية التي فرضتها لتعزيز تمثيلية الشباب والنساء. فعندما تمنع القوانين احتكار المناصب، ستجد الأحزاب نفسها ملزمة تلقائيا بفتح المجال أمام وجوه جديدة، وتأطيرها وإعدادها لتحمل المسؤولية. وبذلك يصبح تجديد النخب نتيجة طبيعية للمنافسة الديمقراطية، لا نتيجة هندسة انتخابية أو حصص قانونية.
فالأحزاب التي تعلم مسبقا أن منتخبها لن يستطيع البقاء في المنصب لأكثر من ولايتين، ستكون مضطرة إلى الاستثمار في تكوين أجيال جديدة من الشباب والنساء والكفاءات، بدل الاعتماد الدائم على الأسماء نفسها. وهكذا يتحول التداول من شعار سياسي إلى ممارسة يومية داخل الأحزاب والمؤسسات.
إن تحديد الولايات ليس مجرد تقييد لمدة الانتداب، بل هو آلية لإعادة إنتاج النخب، وتحقيق تكافؤ الفرص، وإنهاء احتكار المسؤولية، وإعادة الثقة في العمل السياسي. وربما يكون هذا الإصلاح أكثر نجاعة من أي نظام للريع الانتخابي أو اللوائح الخاصة، لأنه يعالج أصل المشكلة بدل الاكتفاء بنتائجها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة