
ليست ورزازات، في نهاية هذا الأسبوع، مجرد مدينة عاشت على إيقاع أحداث متفرقة؛ بل بدت وكأنها مرآة تعكس تناقضات عميقة في تدبير الشأن العام، حيث يعلو صوت المعاناة في جهة، ويُقابله صخب التدشينات والاحتفالات في جهة أخرى.
في الواجهة الأولى، خرج طبيب جراح عن صمته، مطلقًا صرخة مدوية تنذر بوضع مقلق داخل قسم جراحة الأطفال. خصاص حاد في الموارد البشرية، ضغط متزايد، ومرفق حيوي مهدد بالتوقف أو العجز عن أداء وظيفته. ليست مجرد معطيات تقنية، بل واقع قد يتحول في أي لحظة إلى مأساة إنسانية، حيث تصبح حياة الأطفال رهينة إمكانيات محدودة ونظام صحي يئن تحت الضغط.
في المقابل، وفي صورة تبدو أكثر إشراقًا، أشرف وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، على إعطاء انطلاقة خدمات منشآت صحية جديدة بين تنغير وزاكورة وورزازات. مستشفيات ومراكز صحية تُقدَّم كخطوات لتعزيز العرض الصحي وتقريب الخدمات من المواطنين. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ما جدوى البنايات دون أطر كافية؟ وهل يمكن لسياسة صحية أن تنجح وهي توازن بين التدشين والتدبير دون معالجة جذرية للاختلالات؟
وبين هذا وذاك، اختارت المدينة أن ترتدي حلتها الثقافية، من خلال احتضان العرض المسرحي “قايد الواد” لفرقة “مسرح أركان”. مشهد ثقافي يعكس حيوية فنية لا يمكن إنكارها، لكنه بدوره يطرح سؤال الأولويات: هل الثقافة هنا متنفس ضروري لمدينة مثقلة بالهموم، أم مجرد لحظة هروب من واقع يزداد تعقيدًا؟
إن ما يجمع هذه المشاهد الثلاثة ليس التناقض فقط، بل غياب الانسجام في الرؤية. فالتنمية لا تُقاس بعدد المشاريع المُعلَن عنها، ولا بعدد العروض الفنية المحتضَنة، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين.
ورزازات اليوم لا تحتاج فقط إلى مستشفيات جديدة، بل إلى ضمان استمرارية خدماتها. لا تحتاج فقط إلى عروض مسرحية، بل إلى واقع اجتماعي وصحي يسمح للمواطن بأن يعيش هذه اللحظات دون قلق. إنها ببساطة تحتاج إلى أن تتوقف كل الأطراف عن “الغناء بلغتها الخاصة”، وأن تنخرط في لحن واحد عنوانه: الكرامة والعدالة في الولوج إلى الخدمات.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال معلقًا: من يسمع صرخة الجراح؟ ومن يملك الجرأة لتحويل التدشين إلى فعل إنقاذ حقيقي؟









