حين يتحول الواضح إلى سؤال…

حين يتحول الواضح إلى سؤال… وتسقط الهيبة في فخ الردود المتسرعة

14 أبريل 2026
عبد الرحيم البصير
عبد الرحيم البصير

في العمل الصحفي ليست كل الأسئلة بريئة في ظاهرها، لكنها مشروعة في جوهرها، حين يختار كاتب أن يطرح تساؤلا حول واقع قائم، مرئي بالعين المجردة، فهو لا يختبئ خلف الغموض بقدر ما يمارس حقه في الإضاءة على ما يراه الجميع ويتجنب البعض تسميته صراحة، السؤال في هذه الحالة ليس ضعفا، بل أسلوب مهني لفتح النقاش وإشراك الرأي العام في تقييم ما يحدث.
غير أن ما يثير الاستغراب حقا، هو أن يأتي الرد من الجهة المعنية مؤكدا ما حاول المقال أن يطرحه بذكاء وحياد. حين يتحول التساؤل إلى اعتراف غير مباشر بوجود “سقطة غير محسوبة”، فإننا لا نكون أمام توضيح بقدر ما نكون أمام إقرار بالخطأ، ولو دون نية.
الأخطر من ذلك، أن يتم تدعيم الرد بصور، كان من الحكمة ألا تنشر، فالصورة ليست دائما دليلا على البراءة، بل قد تتحول إلى وثيقة إدانة حين تكشف ما كان يمكن احتواؤه بتواصل مسؤول وهادئ، في زمن التواصل الرقمي، كل صورة هي موقف، وكل نشر هو رسالة، وقد تكون الرسالة عكس ما يراد تمريره.
ما حدث يطرح سؤالا أعمق من الواقعة نفسها: هل ما زلنا نميز بين حق الرد وواجب التحفظ؟ بين الدفاع عن صورة المؤسسة، والحفاظ على صورتها من مزيد من التاكل؟ لأن الانفعال في الرد، والتسرع في النشر، لا يصنعان دفاعا بقدر ما يوسعان دائرة الشك.
الصحافة ليست خصما لأحد، بل مرآة لما يقع، وحين تطرح سؤالا، فهي تفتح بابا للنقاش لا للإدانة المسبقة، لكن حين يأتي الرد مرتبكا، ومشحونا، ومحملا بما لا يجب أن ينشر، فإننا لا نكون أمام تصحيح للصورة، بل أمام تكريس للخطأ وتضخيمه.
قد تكون الحركات الصبيانية أحيانا في طريقة الرد، لا في أصل التساؤل، وقد يكون النضج الحقيقي في القدرة على استيعاب النقد، والتفاعل معه برصانة، لا بردود متشنجة تسيء أكثر مما تصلح.
في النهاية، يبقى السؤال المشروع أقوى من أي رد مرتبك، ويبقى احترام ذكاء القارئ هو الخط الفاصل بين إعلام مسؤول، وردود لا تزيد المشهد إلا التباسا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة