
كلما تلبدت السماء بالغيوم وأعلنت النشرات الإنذارية عن تساقطات رعدية قوية يتجدد الموعد في مناطق واسعة من الجنوب الشرقي للمملكة مع مشاهد باتت مألوفة لدى الساكنة، طرق مقطوعة وقناطر تجرفها السيول وانهيارات جبلية تعرقل حركة السير وسيارات تحاصرها المياه ومحاصيل فلاحية تضيع في ساعات قليلة، لتعود معها أسئلة قديمة حول جاهزية البنيات التحتية ومدى قدرة المشاريع المنجزة على الصمود أمام التقلبات المناخية.
من طاط إلى ورزازات ثم زاكورة، مرورا بتنغير والرشيدية وصولا إلى ميدلت، تختلف المواقع الجغرافية وتتفاوت حدة الأضرار، لكن القاسم المشترك يظل واحدا، هشاشة بعض البنيات التحتية أمام التساقطات الرعدية، واستمرار معاناة ساكنة تجد نفسها في كل موسم مطري، أمام خطر العزلة وصعوبة التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
والمفارقة أن الأمطار التي تستقبلها ساكنة الجنوب الشرقي بكثير من الفرح والأمل، بعد سنوات من الجفاف والإجهاد المائي سرعان ما تتحول في بعض المناطق إلى مصدر خوف وقلق، فبدل أن تكون التساقطات مناسبة لإنعاش الفرشة المائية وإحياء الواحات والأراضي الفلاحية، تتحول السيول إلى اختبار حقيقي لسلامة الطرق والمنشآت الفنية بل وإلى تهديد مباشر للأرواح والممتلكات.
ولعل ما تشهده بعض المحاور الطرقية، وعلى رأسها الطريق الوطنية رقم 9 عبر ممر تيشكا من انهيارات صخرية واضطرابات في حركة السير خلال فترات التساقطات يعيد إلى الواجهة إشكالية الربط الطرقي بين الجنوب الشرقي وباقي مناطق المملكة، فالأمر لا يتعلق بمجرد طريق قد تنقطع لساعات بل بشريان اقتصادي واجتماعي يرتبط به تنقل المواطنين وحركة البضائع والنشاط السياحي والخدمات الحيوية.
ولا يقل الوضع تعقيدا في المناطق القروية والجبلية، حيث يؤدي ارتفاع منسوب أحد الأودية إلى عزل دواوير بأكملها، وتعطيل مصالح السكان، وعرقلة وصول سيارات الإسعاف ووسائل التموين، وهي وضعية تطرح سؤال العدالة المجالية ومدى استفادة هذه المناطق من بنيات تحتية قادرة على ضمان الحد الأدنى من استمرارية الحياة اليومية حتى في الظروف المناخية الصعبة.
في المقابل لا يمكن اختزال المسؤولية في هشاشة الطرق والقناطر وحدها، إذ تكشف بعض المشاهد المتداولة خلال الفيضانات عن سلوكيات خطيرة يرتكبها سائقون يغامرون بعبور الأودية رغم قوة السيول والتحذيرات الصادرة عن السلطات المختصة، إن التهور في مثل هذه الظروف ليس شجاعة بل مجازفة قد تنتهي بمأساة وقد تعرض حياة فرق الإنقاذ بدورها للخطر، ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة الوقاية واحترام النشرات الإنذارية وعدم الاستهانة بقوة الطبيعة.
غير أن تحميل المواطن مسؤولية تهوره لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء الجهات المعنية من مسؤولياتها في التخطيط والاستباق، فحين تتكرر الأضرار في المواقع نفسها، وحين تنقطع الطرق ذاتها مع كل تساقطات قوية يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى التدخلات السابقة وعن مدى اعتماد دراسات تقنية تستحضر الخصوصيات الجغرافية والمناخية للمنطقة، بدل الاكتفاء بإصلاحات ظرفية قد تجرفها أولى السيول القادمة.
إن الجنوب الشرقي لا يحتاج إلى تدبير موسمي للأزمات بقدر ما يحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة تجعل من مواجهة المخاطر الطبيعية أولوية في السياسات العمومية، رؤية تقوم على إعادة تقييم المنشآت المائية والقناطر المهددة، وتقوية المحاور الطرقية الحساسة وحماية الأراضي الفلاحية والواحات وتهيئة مجاري الأودية وتعزيز منظومات الإنذار المبكر، مع ضمان التنسيق الفعال بين مختلف المتدخلين.
كما أن المجالس المنتخبة، محليا وإقليميا وجهويا، مطالبة بالانتقال من منطق التفاعل مع الكارثة بعد وقوعها إلى منطق الاستعداد لها قبل حدوثها عبر توجيه الاستثمارات نحو المشاريع ذات الأثر المباشر على سلامة المواطنين وفك العزلة، بعيدا عن الحسابات الضيقة والمشاريع التي قد تحقق جاذبية إعلامية دون أن تعالج الأولويات الحقيقية للساكنة.
ولا يمكن في هذا السياق، تجاهل المجهودات التي تبذلها السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة وباقي المتدخلين، الذين يجدون أنفسهم في الصفوف الأمامية كلما ارتفع منسوب الأودية أو انقطعت الطرق، غير أن تثمين هذه التدخلات يقتضي أيضا توفير الإمكانيات والوسائل الضرورية، حتى لا تظل عمليات الإنقاذ والتدخل الاستعجالي بديلا دائما عن المعالجة البنيوية لمصادر الخطر.
لقد أصبح التغير المناخي واقعا يفرض نفسه، ولم يعد ممكنا التعامل مع الظواهر الجوية القصوى باعتبارها أحداثا استثنائية لا تستدعي سوى التعبئة المؤقتة، فالاستثناء الذي يتكرر كل سنة يتحول إلى معطى ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار عند إعداد الميزانيات وتصميم المشاريع وتحديد الأولويات التنموية.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط كم طريقا قطعت السيول؟ وكم قنطرة جرفتها المياه؟ بل ماذا فعلنا منذ آخر فيضان حتى لا تتكرر المشاهد نفسها؟
فالجنوب الشرقي لا يطلب المستحيل ولا يمكن بطبيعة الحال منع الأمطار أو التحكم في قوة السيول، لكنه يستحق بنيات تحتية أكثر صمودا وطرقا أكثر أمانا وتدبيرا استباقيا يحمي الأرواح والممتلكات ويحول دون بقاء العزلة قدرا موسميا مفروضا على ساكنته.
وإلى أن تتحول الدروس المستخلصة من كل موسم مطري إلى قرارات ومشاريع ملموسة سيظل المشهد يتكرر، أمطار تبعث الأمل في نفوس الفلاحين وسيول تكشف هشاشة البنيات ومواطنون ينتظرون إعادة فتح الطرق ومسؤولون يعاينون الأضرار، ثم تنتهي الأزمة وتعود الحياة إلى طبيعتها في انتظار نشرة إنذارية جديدة تعيد طرح الأسئلة القديمة.











