رأي

الهيلالي: كرة القدم في المغرب منظومة متكاملة للقوة الناعمة وقاطرة للتنمية الشاملة

محمد علي الهيلالي/ مستثمر سياحي

بينما أعبر جبال الأطلس الشامخة ببياض ثلوجها في طريق العودة من الرباط إلى مراكش، وأتأمل في بطولة “الكان” التي أُسدل ستارها البارحة، أدركت أن كرة القدم في الرؤية المغربية تجاوزت منذ زمنٍ كونَها مجرد كرة جلدية تتدحرجُ على أرضية خضراء، لتصبح منظومة متكاملة للقوة الناعمة وقاطرة للتنمية الشاملة.

لقد تحول استثمار المغرب في البنية التحتية والملاعب والطرق والسكك الحديدية والفنادق والنقل العمومي إلى رسالة عالمية أبهرت الجميع بجودتها وتنظيمها الذي يضاهي أرقى البطولات الدولية.

منذ مونديال 2022 وحتى اليوم، كان اسم المغرب حاضراً كرقم صعب أمام 7 مليارات مُشاهد في جميع البطولات القارية والعربية والدولية.

هذا الحضور المستمر للمغرب كقوة صاعدة لا يمكن تجاهلها انعكس مباشرةً على جلب استثمارات عالمية ضخمة خاصة في قطاعات البنية التحتية والسياحة والرياضة، وعلى إنعاش غير مسبوق للقطاع السياحي مع تزايُد الاهتمام العالمي بالمغرب كوجهة متميزة، وعلى تعزيز قيمة جواز السفر المغربي الذي صار يحظى بتقدير دولي وترحيب قنصلي غير مسبوق. كندا، مثلًا، حوّلت التأشيرة إلى إلكترونية، فرنسا والولايات المتحدة قلّصتا مواعيد الحصول عليها، ودول أمريكا الشمالية والجنوبية فتحت أبوابها.

الاحترام المتزايد من دول كبرى كالشيلي والبرازيل وأمريكا ودول أوروبية تُرجِم إلى إلغاء للتأشيرات أو تبسيطٍ كبير لإجراءاتها.

على مستوى الجماهير، كان المشهد غنياً بالتفاصيل وثرياً بالتنوع. بين رُقيِّ الجمهور التونسي وأناقة حضوره وروحه الرياضية الراقية، وخفة دم المصريين الذين حولوا الملاعب إلى مسرح من البهجة حتى في أصعب اللحظات، وبهجة الجمهور الأفريقي جنوب الصحراء الذي يرقص ويغني في الفوز والخسارة على حدٍّ سواء مُجسِّداً الروح الأفريقية الأصيلة، برز الجمهور المغربي بشخصيته الشرسة تنظيمياً والمتسامحة رياضياً، بحسِّه التنظيمي المرهف وحماسه الذي يتوازن مع نُضجه في تقبُّل النتائج حلوها ومُرِّها.

فسُنَّة مباريات كرة القدم مِن سُنّة الحياة. أما الجمهور الجزائري فوقف أغلبُه منبهراً بجودة الحياة وحسن الضيافة في المغرب، باستثناء فئة قليلة قادمة من أدغال أوروبا حاولت التشويش وعاثت في الأرض فساداً، وهي لحسن الحظ لا تمثل إلا أقلية معزولة من جهور الجزائر الشقيقة.

أما إعلامياً، فنسجِّل باعتزاز تفوُّق الإخراج التلفزي المغربي الذي حقق رونقاً وعالمية لافتة في نقل المباريات، رغم إقرارنا بأن الإعلام الرياضي المغربي ما يزال دون التطلعات ويعاني من ضعف بنيوي واضح في التحليل والمحتوى.

في المقابل، تباينت باقي المواقف الإعلامية بشكل لافت من خلال:

الإعلام الرياضي التونسي أبان بوضوح عن استقلالية ونزاهة وحرفية عالية، وكان صوتاً موضوعياً وسط ضجيج الانحيازات.

الإعلام الجزائري، التابع في مجمله مع الأسف للمؤسسة العسكرية المهيمنة، ظل في حالة تسلل طيلة البطولة، غارقاً في مباراة خارج الملعب بطلها المؤامرة والتشويق، غائباً عن اللعبة الحقيقية مغيّبا إياها.

الإعلام المصري انطبقت عليه الآية الكريمة: “وإن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً”، فكان منصفاً حين وجد الخير ومنحازاً حين غاب. فاللهم اجعل خيرك يُبطل شرّك يا ارحم الراحمين.

الإعلام العربي وخاصة السعودي لا تزال في حلقه غصّة من ذكريات كأس العرب، وظهر ذلك في تغطيته المتحفظة.

الإعلام الإماراتي جسّد شعار “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” وطبّقه حرفياً دون تمييز. الإعلام الفرنسي بدا متحاملًا “مقروصَا” وممتعضاً من جودة التنظيم، لذا لم يستطع إخفاء انزعاجه من نجاح مغربي يفوق بعض التنظيمات الأوروبية.

أما باقي الإعلام العالمي من الصين واليابان وأمريكا اللاتينية والشمالية فوقف منبهراً وغير مصدق أن أفريقيا تختزن كل هذا السحر والجمال وهذه القدرة التنظيمية الاستثنائية.

ختاماً، فخرٌ كبير أن المغرب منح أفريقيا حق الحلم بغدٍ أفضل، وبرهن أن القارة السمراء قادرة على تنظيم أحداث عالمية بمعايير استثنائية.
كما زرع الفرحة في قلوب شمال أفريقيا بمناسبة فوز السنغال بالكأس، في مشهد يؤكد أن الفوز الحقيقي ليس فقط في رفع الكأس، بل في النجاح في تقديم صورة مشرفة ومشرقة للقارة بأكملها أمام العالم أجمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى