
لم يعد الأمر مجرد حوادث سير متفرقة، بل أصبح نزيفا حقيقيا يستنزف أرواح شباب إقليم ورزازات يوما بعد يوم. فكلما انتهينا من تداول خبر وفاة شاب في حادثة دراجة نارية، نفاجأ بخبر آخر، وكأن الموت أصبح يتربص بالشباب على الطرقات.
خلال الأيام الأخيرة، عاشت العديد من الأسر لحظات قاسية وهي تتلقى مكالمات أو أخبارا لم تكن تتمنى سماعها أبدا، شباب خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا إليها، وآخرون انتهى بهم المطاف في أقسام المستعجلات بين الحياة والموت. أحلام توقفت فجأة، وأمهات فقدن فلذات أكبادهن، وآباء وجدوا أنفسهم أمام واقع لم يكونوا يتصورون أن يعيشوه.
ما يحزنني أكثر هو أن بعض هذه المآسي كان بالإمكان تفاديها، فحين تتحول السرعة إلى استعراض، وحين يصبح التهور عنوانا للقيادة، وحين ينظر إلى احترام قانون السير على أنه أمر ثانوي، فإن النتيجة تكون غالبا مأساوية، لا أحد ينتصر على الطريق، ولا أحد أقوى من لحظة غفلة أو خطأ واحد قد ينهي حياة كاملة.
نحن أمام جرس إنذار حقيقي، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإننا سنستمر في عد الضحايا بدل البحث عن الحلول، المطلوب اليوم ليس فقط تحرير المخالفات أو القيام بحملات ظرفية، بل بناء وعي جماعي يجعل سلامة الإنسان فوق كل اعتبار.
رسالتي إلى الشباب واضحة: لا تجعلوا دراجاتكم وسيلة للوصول السريع إلى المقابر، السرعة ليست شجاعة، والتهور ليس بطولة، والاستعراض في الطريق لا يصنع الأبطال بل يملأ لوائح الضحايا، حياتكم أغلى من سباق عابر، وأثمن من لحظة اندفاع قد تندمون عليها إلى الأبد.
ورسالتي إلى الأسر: راقبوا أبناءكم، وانصحوا أبناءكم، وتدخلوا حين تلاحظون سلوكا خطيرا، فكم من أب أو أم تمنى لو عاد الزمن دقائق فقط لينقذ ابنه من رحلة كانت الأخيرة.
أما رسالتي إلى المسؤولين والفاعلين المحليين، فهي أن أرواح الشباب تستحق أن تكون أولوية قصوى، فكل ضحية جديدة هي خسارة للإقليم بأكمله، وليست رقما يضاف إلى الإحصائيات.
لقد سئمنا من كتابة أخبار الوفيات والتعازي، نريد أن نكتب عن شباب يحققون أحلامهم، لا عن شباب تنتهي حياتهم على قارعة الطريق، نريد أن نرى وعيا أكبر، ومسؤولية أكبر، قبل أن نفقد المزيد من الوجوه التي كان لها مستقبل ينتظرها.
فإلى متى سيستمر هذا النزيف؟ وإلى متى سنكتفي بالحزن بعد كل حادثة، بدل أن نمنع وقوع الحادثة القادمة؟
رحم الله جميع ضحايا حوادث السير، وحفظ شباب إقليم ورزازات والجنوب الشرقي من كل سوء.










