
من أعلى نقطة بمنطقة تقروت ، تتكشف ملامح حياة مختلفة في قرية أمزري التابعة لجماعة إيمي نولاون بإقليم ورزازات، على الحدود بين ورزازات وأزيلال، هنا بين تضاريس الجبال ووعورة الطريق، تتقاطع براءة الأطفال مع تعب السنين، وتستمر تفاصيل الحياة اليومية في مشهد إنساني تختلط فيه قسوة الطبيعة بصبر الإنسان.
لم تكن الظروف وحدها هي التي قادتني إلى قرية أمزري، الواقعة في أعالي المجال الجبلي بإقليم ورزازات، بل كان الوصول إليها أشبه برحلة نحو عالم تسير فيه الحياة على إيقاع مختلف، بعيدا عن صخب المدن وتسارع أيامها.
في هذه القرية حيث تفرض الجبال حضورها على المشهد، يبدو الإنسان مرتبطا بأرضه وتفاصيلها، يتكيف مع تضاريسها، ويواصل يومه بما تتيحه الظروف المحيطة به من إمكانات، هنا لا تحتاج إلى كثير من الوقت لتكتشف أن بعض الحكايات لا تسكن الكتب، بل تختبئ في وجوه الناس وفي خطواتهم وفي تفاصيل صغيرة قد تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها تحمل معاني عميقة لمن يتأملها.
كانت وجهتي منطقة تقروت إحدى اعلى النقاط المرتفعة بالقرية، حيث اتسع المشهد أمام عيني، وبدت الجبال وكأنها تحتضن المكان في صمت، من هناك أخذت أتأمل تفاصيل الحياة المحيطة بي، قبل أن تستوقفني مشاهد إنسانية ظلت عالقة في ذاكرتي.
في أحد أركان المكان كان أطفال يلعبون بعفوية، يركضون ويضحكون، منشغلين بلحظتهم الصغيرة، غير عابئين بما قد تخبئه لهم الأيام.
كانت ضحكاتهم تنبعث في فضاء القرية وتكسر هدوء المكان، بينما بدوا وكأنهم لا يعرفون من العالم سوى حدود لعبهم البسيط ورفقة أقرانهم.
وقفت أتأمل المشهد، وتسللت إلى ذهني أسئلة كثيرة عن مستقبل هؤلاء الأطفال، ماذا ينتظرهم حين يكبرون؟ ما الأحلام التي سترافقهم وهم ينتقلون من مرحلة الطفولة إلى الدراسة، ثم إلى البحث عن فرص لتحقيق ذواتهم؟ وهل ستتاح لهم الإمكانات نفسها التي يحظى بها أطفال ينشؤون في ظروف مجالية مختلفة؟
لم تكن تلك الأسئلة سوى تأملات فرضها المكان، دون أن يكون ممكنا استباق ما ينتظر هؤلاء الصغار أو اختزال مستقبلهم في واقع القرية اليوم.
ففي ضحكاتهم تختبئ أحلام لم تتشكل ملامحها بعد، وفي أعينهم فضول طفل يكتشف العالم بطريقته الخاصة، وربما كان أهم ما يمكن أن تقدمه المؤسسات لهؤلاء الأطفال هو أن تظل أحلامهم أكبر من المسافات التي تفصل قريتهم عن المدن، وألا تتحول الجغرافيا إلى عائق أمام طموحاتهم.
إن مستقبل المناطق الجبلية يبدأ من أطفالها، من حقهم في التعليم الجيد، وفي بيئة تتيح لهم النمو واكتشاف قدراتهم، ومن فرص تمنحهم إمكانية بناء مستقبلهم دون أن يشعروا بأن المكان الذي ولدوا فيه يحد من خياراتهم.
على مقربة من المكان استوقفني مشهد آخر، مختلف في تفاصيله، لكنه لا يقل عمقا في دلالاته الإنسانية،
شيخ طاعن في السن يتجول بين أرجاء المنطقة، وينحني لالتقاط الحجارة خطواته الهادئة وملامحه التي رسمت السنوات آثارها عليها جعلتني أتوقف عند المشهد طويلا.
لم أكن أعرف قصة هذا الرجل، ولا الظروف التي دفعته إلى القيام بما كان يقوم به، لكن صورته استحضرت أمامي حكايات أجيال عاشت سنوات طويلة في كنف الجبال، وكابدت مشقة الحياة اليومية، وظلت مرتبطة بأرضها وعاداتها وتفاصيلها.
وفي الجهة الأخرى كانت زوجته المسنة تغزل الصوف، منشغلة بعملها في هدوء، تحرك يديها بخبرة من ألفت هذه الحرفة عبر سنوات العمر.
يد تلتقط الحجارة وأخرى تغزل الصوف، مشهد بسيط في ظاهره، لكنه يحمل الكثير من المعاني حين تتأمله من زاوية العمر والعمل واستمرار الحياة.
في المدن، قد تمر هذه التفاصيل دون أن تستوقف أحدا، لكن في مكان كهذا، تبدو أكثر قدرة على استحضار العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وبين ما يفرضه الواقع وما يواصل الإنسان القيام به كل يوم.
تأملت الرجل وزوجته، وفكرت في السنوات التي مرت عليهما، وفي التحولات التي شهداها، وفي تفاصيل الحياة التي رافقتهما جيلا بعد جيل.
كم من الحكايات يمكن أن يرويها هذا الشيخ لو تحدث عن سنوات عمره؟ وكم من الذكريات تحتفظ بها تلك المرأة وهي تغزل الصوف، مستعيدة في صمت تفاصيل زمن مضى؟
لم أكن أملك إجابات عن هذه الأسئلة، لكن المشهد كان كافيا ليذكرني بأن خلف كل وجه مسن حكاية تستحق الإنصات، وخلف كل يد أنهكها الزمن ذاكرة من العمل والصبر والتجربة.
إن الاهتمام بكبار السن في المناطق الجبلية لا ينبغي أن يقتصر على توفير الحاجيات الأساسية، بل يتطلب أيضا ضمان الرعاية الصحية والاجتماعية، وصون الكرامة الإنسانية، والاعتراف بما قدمته هذه الأجيال من عمل وتضحيات.
لا يمكن الحديث عن أمزري دون التوقف عند طبيعة المجال الجغرافي الذي تحتضنه، وما يفرضه من تحديات مرتبطة بالتنقل والربط بين القرية ومحيطها.
فالمنطقة ليست خالية من المرافق الأساسية؛ إذ تتوفر على مدرسة ابتدائية وإعدادية وقسم داخلي، إلى جانب مركز صحي، وهي مؤسسات تؤدي دورا مهما في تلبية جانب من حاجيات السكان، وتؤكد أهمية توفير الخدمات الأساسية داخل المجالات الجبلية.
لكن وجود هذه المرافق لا يلغي الإكراهات التي تفرضها وعورة الطريق المؤدية إلى المنطقة وتهالكها، وهي من أبرز التحديات التي تستحق الاهتمام، بالنظر إلى دور البنية التحتية في تسهيل الحياة اليومية للسكان.
فالطريق في المناطق الجبلية ليست مجرد مسلك يربط مكانا بآخر، بل شريان تتوقف عليه تفاصيل كثيرة من الحياة اليومية؛ من تنقل التلاميذ والأطر التربوية، إلى حركة المرضى والمرتفقين، مرورا بقضاء الأغراض الإدارية والتجارية والاجتماعية.
وحين تكون الطريق وعرة ومتهالكة، فإن التنقل قد يصبح أكثر مشقة، خصوصا بالنسبة إلى الفئات التي تحتاج إلى الولوج المنتظم إلى الخدمات الصحية والتعليمية، أو إلى التنقل في ظروف تستدعي السرعة والسهولة.
ومن هذا المنطلق، فإن تأهيل الطريق وصيانتها يشكلان مطلبا تنمويا أساسيا، من شأنه تعزيز استفادة السكان من المرافق الموجودة، وتحسين شروط الربط بين القرية ومحيطها.
إن التنمية في المجالات الجبلية لا تتعلق فقط ببناء المؤسسات وتوفير التجهيزات، بل تقتضي أيضا الاهتمام بالبنية التحتية التي تضمن الوصول إليها، فالمدرسة والإعدادية والقسم الداخلي والمركز الصحي تمثل مكتسبات مهمة، لكن تعزيز أثرها يظل مرتبطا كذلك بظروف التنقل وسهولة الولوج.
وبين ما تتوفر عليه أمزري من مرافق، وما تطرحه الطريق من إكراهات، تتشكل إحدى أهم حلقات النقاش حول مستقبل المنطقة وسبل تحسين ظروف العيش بها.
في أمزري، لا تحتاج إلى حدث استثنائي حتى تكتشف أن المكان يستحق أن يروى.
يكفي أن تراقب الأطفال وهم يلعبون، وأن تتأمل شيخا يتجول بين أرجاء القرية، أو امرأة مسنة تواصل غزل الصوف، حتى تجد نفسك أمام مشاهد تفتح أبوابا واسعة للتأمل في معنى الحياة، وفي علاقة الإنسان بالمكان الذي اختار أن يستقر فيه أو وجد نفسه جزءا منه.
تلك التفاصيل البسيطة هي التي تمنح القرية روحها، وتجعلها أكثر من مجرد نقطة على الخريطة، إنها حكايات أناس يعيشون يومهم، ويتمسكون بعاداتهم، ويواصلون ممارسة تفاصيل الحياة رغم ما قد تفرضه الظروف المحيطة بهم من صعوبات.
ولعل ما يجعل هذه المشاهد مؤثرة هو أنها لا تحتاج إلى كثير من الكلام حتى تترك أثرها في النفس، فالصورة أحيانا تقول ما تعجز عنه الكلمات، والتفاصيل الصغيرة قد تكشف عن جوانب من الحياة لا تظهر في الأرقام والتقارير.
لكن نقل هذه الصور إلى القارئ لا ينبغي أن يحول السكان إلى مجرد مشاهد تستدعي الشفقة، ولا أن يقدم القرية باعتبارها فضاء تختزل هويته في الصعوبات وحدها، فخلف كل مشهد إنساني توجد كرامة، وخلف كل حياة يومية توجد قدرة على التكيف والعمل والاستمرار.
ومن هنا تأتي أهمية الكتابة عن هذه المناطق؛ كتابة تنقل الواقع كما هو، وتبرز ما يزخر به من مقومات إنسانية وثقافية، وتسلط الضوء في الوقت نفسه على الإكراهات التي تستحق المعالجة والاهتمام.
حين غادرت أعالي تقروت، ظلت صور كثيرة ترافقني، أطفال يركضون في فضاء القرية، وشيخ يلتقط الحجارة، وزوجته المسنة تغزل الصوف، وجبال تمتد في الأفق، وطريق تفرض وعورتها حضورها في تفاصيل المكان.
كانت تلك المشاهد، على بساطتها، كافية لتجعلني أعيد التفكير في معنى زيارة قرية جبلية والكتابة عنها.
فالأمر لا يتعلق فقط بوصف الطبيعة أو تسجيل الانطباعات العابرة، بل بمحاولة الاقتراب من الإنسان، والإنصات إلى تفاصيل حياته، وفهم العلاقة التي تربطه بالمجال الذي يعيش فيه.
أمزري ليست مجرد قرية تقع بين ورزازات وأزيلال، وليست فقط مشهدا جبليا يلفت انتباه الزائر، إنها فضاء للحياة، تحتضن أطفالا لهم أحلامهم، وكبارا في السن يحملون ذاكرة سنوات طويلة، وأناسا يواصلون يومهم في مواجهة شروط الطبيعة وتحديات التنقل.
ومن أعلى نقطة بمنطقة تقروت، بدت لي الحكاية أكبر من حدود المكان الذي وقفت فيه، حكاية الإنسان الذي يصنع من يومه العادي قصة تستحق أن تروى، وحكاية القرى التي تحتاج إلى أن تحظى بالاهتمام، لا من باب الشفقة، بل انطلاقا من حق سكانها في ظروف عيش كريمة وفرص متكافئة.
قد لا تكون زيارة واحدة كافية لفهم كل ما يجري في أمزري، لكنها قد تكون بداية لطرح الأسئلة الصحيحة، والعودة إلى المكان من أجل الإنصات إلى سكانه، ومعرفة انتظاراتهم، وتوثيق تجاربهم وتطلعاتهم.
وفي النهاية، تبقى صورة الأطفال وهم يلعبون، والشيخ وهو يلتقط الحجارة، والمرأة المسنة وهي تغزل الصوف، من أكثر الصور تعبيرا عما رأيته في تلك الزيارة.
ثلاثة مشاهد تختصر تعاقب الأجيال في فضاء واحد: طفولة تتطلع إلى الغد دون أن تعرف ملامحه، وشيخوخة تحمل آثار الأمس، وبينهما حياة تستمر بتفاصيلها الصغيرة.
هناك، في أعالي تقروت، أدركت أن بعض القرى لا تحتاج فقط إلى من يمر عبر طرقها، بل إلى من يتوقف عند حكاياتها، وينقل صوتها، ويمنح تفاصيلها الإنسانية حقها في أن ترى وتروى.











